الاثنين، نوفمبر 28، 2011

لأن الوقاحة لا تغيّر مجتمعاً


نعم، إنه فن. والفن يعني الإبداع، وقبل الإبداع الحرية. وكيف لمثلي ألّا تعرف ذلك، وأنا من درست تفاصيل الحداثة وما بعدها في الأدب الانجليزي.

إذاً ما الذي جعل الجميع يغضب عندما تم عرض لوحة لأثداء امرأة حلوب في قلب جامعه "فرجينيا"؟، أنا أقولها لكم، الذي أغضبنا هو الوقاحة.! الوقاحة في العرض، الوقاحة في التعاطي مع أفراد المجتمع القطري، طلاباً ومجتمعاً، المجتمع الذي تتغنى الجامعة بأنها تقدم له خدمات وورش تعليمية. الوقاحة في إحضار رسّامة تعرض ما يحلو لها من لوحات، وفوق ذلك يتم دفع مصاريف رحلتها كاملة إلى وطننا السعيد.

لقد تم انزال اللوحة وانتهى أمرها بعد أن احتج طلّاب الجامعة –لهم مني تحية حارة-، وانتهى الموضوع بسلام (أتمنى). ولكنني ما زلت أتساءل، وأتعجب من تفاصيل الحادثة.

ما الذي أرادوه من عرض هذه اللوحة في الأساس؟ وكيف تمكن لإدارة الجامعة أن ترد على طلابها المحتجين بأنها تستند إلى قانون رقم 19 في الأمم المتحدة الذي ينص على حق الرأي والتعبير! (وهو ما أضحكني حد البكاء). بل وزادوا على ذلك بالقول بأنهم يريدون أن يكون الطلاب قادرين على التعايش مع "المجتمع العالمي" فيما بعد. وهل صحيح ما تناقلته الألسن في أروقة الجامعة بأن هذا النوع من الفن هو الذي سيقود بمجتمعنا نحو التغيير والتطوّر؟

كيف لأثداء امرأة أن تعني التحضّر والمدنية؟ العري بطبيعة الحال لا يعني التحضر أبداً ، وهذه اللوحة وغيرها لن تقود بمجتمع –أي مجتمع- للتغيير مالم تكن الرغبة نابعة من المجتمع ذاته. جميعنا يعلم أن بعض المجتمعات البدائية أفرادها كانوا عراه، فهل دلّ ذلك على تحضرهم أو تمدنهم؟ أبداً، وخير دليل على ذلك بعض القبائل في افريقيا، التي ما يزال أهلها عراه في الأدغال.

ثم إنني أتساءل، من الذي أقنع هؤلاء الأجانب أنهم آتون هنا لتغيير المجتمع؟ وكيف يترك لهم الحبل على الغارب لينشروا ما يريدون متى ما شاءوا وكيفما شاءوا؟ استغرب كثيراً من الإشارات الخضراء التي تُعطى لهم، خصوصاً حينما يكون تواجدهم في البلد محدداً بزمن العقد، ثم ينصرفون غير مأسوفٍ عليهم.

إن التعليم هو رسالة خالدة طبعاً، وهو سم قاتل بكل تأكيد متى أُريد له ذلك. كان من الممكن أن يتم تدريس مادة الفن الحديث أو ما بعد الحداثي في الفصول الدراسية لأسباب تعليمية بحته. إن من دَرَس التاريخ والفن والأدب وحتى علم الاجتماع والفلسفة، يعلم بأن الفن في الغرب تغيّر وتطور بتطور النظريات الفلسفية التي أثرت على المجتمعات بتعاقب الأحقاب التاريخية، منذ عصر النهضة وحتى يومنا هذا. إذا فالفن "الحداثي وما بعده" ما هو إلا نتاج وانعكاس لمجتمع غربي مرّت عليه الكثير من التغيرات الاجتماعية والمدراس الفكرية.

أن يُلصق هذا الفن، بمجتمع كالمجتمع القطري الصغير عمراً مقارنة بالمجتمع الغربي، والذي تختلف خلفيته الثقافية والتاريخية تماماً عنّا، فذلك دليل على وجود قصور رهيب في فهم الفن وأدواته لدى أرباب الفن في هذه الجامعة. إن أرادوا تدريس هذا الفن ليُدَرِسوا الطلاب الفلسفة التي جاءت بسببه، والعمق الذي يرتكز عليه، بهذا يستطيعون أن ينتجوا طلاَبا قادرين على "مواكبة المجتمع العالمي" كما يزعمون.

إن قصور الفهم الدائم والعشوائية، والصاق تجارب الغير التي تفوقنا بمراحل، لمجتمعنا الصغير، ستؤدي بالمجتمع إلى تغييرات كارثية، نراها أمامنا الآن، ولن ننتظر زمناً طويلاً . هذه الحرب الضروس التي تقاد ضد الهوية بدأت علاماتها تطفو على السطح كالسمك النافق.

ربما يقول قائل، هل تريدين أن يبقى المجتمع منغلقاً على حاله؟ أرد وعيني في عينه، لا! طبعا لا! لسنا نعيش في مجتمع اليوتوبيا، نحن بكل تأكيد بحاجة للإصلاح، ولكن بأدوات مختلفة ليس لها علاقة بتمثال ديفد ولا بعيون الموناليزا. لأننا ببساطة لنا تجربة تاريخية وثقافية مختلفة تماماً، وأي طالب في سنة أولى علم اجتماع يعرف هذه الحقيقة كما يعرف الشمس!

لذلك أقول، لو عرف كل واحدٍ منا ومن الأجانب وظيفته في هذه الحياة، لما واجهنا هذه القصص التي تُضحِك الانسان غماً! وكما يقول الرائع مريد البرغوثي : "الشيء الأعدل توزيعاً على وجه البسيطة هي الحماقة"، وأنا أزيد عليه، والوقاحة كذلك!

الجمعة، أكتوبر 07، 2011

رحم الله زمان التفاح




أكتب هذه التدوينة، عالمةَ بأني سأنقلها من الورق إلى العالم الرقمي عن طريق الآيباد، وعلى مكتبتي بجانب أقلامي والأوراق الآيفون. هذا على الرغم من أنني لست من محبي التكنولوجيا ولا من متابعيها، ولكن الناجح والقائد دوماً هو من يفرض قوانين الحياة على العالم كله، وهذا ما فعله ستيف جوبز، الذي أحدث ثورة (ولكل ثورته) في عالم التكنولوجيا المتسارع.
حزنت كغيري من البشر في أرجاء المعمورة على موت جوبز، حيث أن قصتي معه تبدأ منذ طفولتي، وتحديداً في معمل الكمبيوتر في المدرسة، حين وَقَفت معلمتي ذات النظارة الكبيرة والمستديرة لتقول: "هذه الآلة تدعى ماكنتوش!" ففتحت عيني وفمي على وسعهما، وقلت لصديقتي التي بجانبي "الشوكلاتة!" ثم أكملت بقولها :"وهذا الصغير المتصل بها يدعى الفأرة"، فزاد اتساع ملامحي وقلت "توم وجيري هنا في المدرسة!". وبالإضافة إلى ملامح الاستغراب، فقد عَلَت وجهي البسمة كذلك حين شاهدت التفاحة الملونة المقضومة، وقلت في نفسي لابد أن الفأرة قد أكلت منها!. لا أنكر أن ظن الطفلة خاب بعد استخدام الآلة، فقد ظننت أني أمام عالم من الألعاب وليس عالماً من البرامج المعقدة التي ما فهمتها يوماً.
كبرت، وكبر ولعي بكل ما هو يدوي وقديم، وبقيت هذه الطفلة بداخلي كلما شاهدت جديداً في عالم التكنولوجيا الغريب.
بالأمس توفي مالئ الدنيا وشاغل الناس "جوبز"، وليس المتنبي العظيم طبعاً. لن أتحدث عن كفاحه ونجاحه فهو أمر واضح للأعمى، ولكن ما استفزني -علماً أنني لم استغربه كثيراً-، ذلك الجدل الذي دار بعد انتشار خبر وفاته عن جواز الترحم عليه أم لا. كان يوماً مشهوداً من أيامنا العربية المجيدة، يستخدمون الآلة ثم يلعنون صاحبها! لم أفهم بعد ولا أظنني سأفهم يوماً سبب إقحام الدين في كل شاردة وواردة، ثم إني لا افهم كيف يُنَصّب البعض أنفسهم حراساً على أبواب جنةٍ عرضها كعرض السماوات والأرض (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) ؟ من شاء الله فليرحمه، ومن لم يشأ فهو سبحانه أعلم بالبشر.
كنت أتمنى أن يكون الحوار عن كيفية الاستفادة من علم جوبز، حياته، برامجه، ولكن العالم العربي أبى إلا أن يتمسك بأسلوب تعاطيه المعتاد مع الخبر. خبر آخر استوقفني، وهو أن جوبز من أصل عربي من حمص - سوريا تحديداً، أي أن الرجل "منّا وفينا"، غريب هو استئثار كل عظيمة لنا نحن العرب دوناً عن سائر البشر. توقفت لوهلة لأتخيل سيناريو محتمل لحياة جوبز ومصيره لو لم يهاجر والده، ربما انتهى به الحال كمبرمج لبرامج الكترونية مقلدة أو مسروقة في أحد أزقة حمص، أو في أفضل الحالات مبرمج أو تقني في أحد دول الخليج العربي.
لماذا لم يتوقف أحد أمام الظروف والأوضاع التي توفرت لجوبز أو أي مبدع مهما كان أصله، فجعلت منه عالماً، أو ناجحاً. ولماذا لم نفكر في البيئات الطاردة لكل شيء عدا القبح في أوطاننا العربية؟ كم من جوبز أضحى عندنا موظفاً عادياً يراوده حلم الهجرة ولا يستطيع إليه سبيلا؟
وبالعودة إلى التفاح والماكنتوش والفأرة، وبما أننا في زمن التحولات، فإني أقول، رحم الله أبا التفاحة والماكنتوش والفأرة "الجدد"، وأعان أمةً مازالت تنتظر المطر لحصاد التفاح، وتسمم الفئران حتى لا تقضي على ما تبقى من علبة الماكنتوش.


**ملاحظة: الصورة لـ ستيف جوبز في بداياتة.

الخميس، يونيو 23، 2011

جغرافيا النجوم



(مقدمة لابد منها)

كنت في ورشة عمل للكتابة الإبداعية في مجال الرواية والقصة. لا أنكر بأن لي محاولات متواضعة في كتابة القصة، ولكنني لم أحاول يوماً أن أطورها، ربما لأنني اكتفيت بأن أكون من قراء القصة والرواية المخلصين. على أية حال، لم تكن هذه الورشة سهلة أبداً بالنسبة لي، فقد اعتمد أسلوب الشرح على التحدي، وعلى اخراجنا "مما نرتاح إليه" في الكتابة، فكنت وبلا مبالغة أخرج يوماً بصداع لاستخدامي جميع الأساليب التي ما استخدمتها يوماً، أو أنني لم أكن استخدمها حتى في حياتي وتعاملي اليومي. أنا لا ألحظ التفاصيل عادة ولا تهمني، ولم أكن أهتم إلى الشكل، اللون، أو أي شيء آخر. فالمضمون يطغى على الظاهر دائماً عندي.
في آخر يوم من الورشة، كان التحدي بمقاس كل مشارك فينا. كان عبارة عن مجموعة من الأوراق، وفي كل ورقة كتبت جملة مختلفة، وعلينا أن نجمع هذه الجمل في قصة. كانت أوراقي كالآتي: أستاذ جغرافيا. عمره 40 سنه. يعاني من مرض عضال. الزمن عام 2050 ويجب أن تكتب هذه الأحداث بأسلوب فكاهي. وأن تكون هذه القصة بلسان الراوي لا الشخصيات!!
وجدت نفسي أمام أحجية، كيف لي أن أتحدث عن المرض بأسلوب فكاهي، وأن يتحدث عن القصة شخص غيري، حتى ولو كان الراوي! على أية حال، كتبت القصة، وكانت الضحكات عالية، حين قرأتها، ولكن الحزن لم يفارق.
أنشر هذه القصة، ليس لإيماني بجودتها الأدبية، فمازالت أظنني لا أملك ذلك الأسلوب الأدبي الكافي لكتابة القصة، انما نشرتها لتكون بداية لشيء ما، ربما نشرت لي قصة أو رواية يوماً، وإن كنت ابنة فن المقالة الأولى والدائمة.

===

(القصة)

تَذَكر نجيب الكرة الأرضية التي أهدتها إليه أمه وهو ابن العاشرة، وكيف تحولت هذه الكرة إلى كرة قدم يقذفها على نافذة أم حسن الجارة الثقيلة الدم والجسد معاً. وتذكر اليوم الذي تكسرت فيه نافذتها، حين خرجت من البلكون وشتمت شجرة عائلته من جذورها حتى أخر غصن فيها. "يا ابن الملاعين! اقسم برب السماء لأدفع أبوك ثمن هذه النافذة غالياً، وليبقى مرتدياً قميصه المتسخ هذا لسنة قادمة".
أعاده ألم الإبرة من بلكون أم حسن إلى غرفة المستشفى البيضاء. كانت الممرضة طويلة، كطول الإبرة المؤلمة، مما جعل التنورة تبدو أكثر قصراً. تخيل نفسه معها على شاطئ البحر، فهذه الساقين الطويلتين خلقتا لموج البحر. استدرك نفسه قبل أن يصل بخياله إلى ما لا يريد، خصوصاً وأن زوجته عفاف تحاول أن تخفي رغبتها القوية باللطم. دمه الأحمر ذكره بالبحر الأحمر الذي رسمه لطلابه ألف مره على سبورة الفصل، ولكن أكثرهم لم يتذكر من الخريطة إلا أذنا الأرنب!
طلبت منه الممرضة أن يدخل إلى الطبيب. أحس لوهله بأن الرغبة في اللطم انتقلت من عفاف إليه. كان يكره الدخول إلى الطبيب. كان طبيباً ممتلئ الهيئة، وعلى الأغلب مدخن لصفار أسنانه، وسواد أطراف أصابعه، الوسطى والسبابة، وفوق هذا كله كان أصلع. باختصار، لو كان لمرضه العضال هيئة، فإنها بكل تأكيد ستكون كهيئة هذا الطبيب.
قال له الطبيب " نحن في عام 2050، الطب لن يتطور أكثر من ذلك. فلا تجزع". أراد نجيب أن يصرخ في وجهه، فهو لا محاله ميت بعد شهور، ولكنه حاول تحاشي الضجة التي ستثيرها زوجته حين تنتحب وتلطم. فاكتفى بتعديل جاكيته البني الرث، وقال "الله كريم"، وخرج هو وعفاف.
في المصعد، صعدت معهم امرأة في حالة مخاض. كان نجيب يتحاشى هذه الأمور، حتى أنه لم يكن موجوداً عندما ولدت له عفاف أبناءه الأربعة. يا لسخافة الصدف! ها هو الآن محبوس مع امرأة غريبة تتوجع. لَم يعلم لِمَ كان يتحاشى هذه الأمور، هل كان يخاف البدايات. هل تتلازم البداية مع نهاية شيء ما في هذا العالم. هل كان يخاف الألم؟ أم صراخ البداية؟ ولم علينا أن نتألم حتى نبدأ من جديد، أو حتى من اللاشيء. وكيف اجتمع موته وحياة هذا الطفل في هذا المكان الضيق. هل سيتألم هو حين يموت كما تتألم هذه لأنها ستلد؟
أحس نجيب بأن كل ألم في بطنه هو، وبعد ثوانٍ اختصرت عمره كله انفتح الباب فكان الافراج.
كان الممر المؤدي إلى مخرج المستشفى طويلاً جداً، كريه الرائحة، أبيضاً كالنهاية. الأضواء كانت تميل إلى الخضرة التي تعمي البصر والبصيرة معاً. كان يمشي مسرعاً، أراد أن يخرج، أن يصل إلى البيت ليخبئ نفسه خلف خرائط الجغرافيا التي لم يزر أياً من الدول التي عليها يوماً، عَلّه يسافر من مرضه، ومن ألمه، ومن موته.
وصل إلى الشارع أمام المستشفى، كان الشارع خالياً من سيارات الأجرة بسبب المطر الغزير. وقف يتأمل زوجته تحت المطر، لم يكن يتأمل جمالها بطبيعة الحال، ولكنه تأمل تجاعيدها بعد مرور كل هذه السنين، الأكياس الدهنية كبيرها وصغيرها المتوزعة على جسدها. هي بعمره، أو ربما تصغره بسنتين. ولكنه أشفق على تركها بعد موته، وأشفق على أبناءه الاربعة.
ولكنه أشفق على نفسه أكثر، فبعد أربعين عاماً هي عمره، يموت وحيداً، دون أن يحقق حلمه،
معانقة النجوم..